الارشيف / ثقافة وفن / اليمن العربي

100 كلمة عربية تظنها مترادفة وهي مختلفة

 

شغلت قضية الترادف، في كلمات اللغة العربية، عدداً كبيراً من علماء اللغة. إلا أن هذا الاهتمام بقضية كتلك، تحوّل إلى اختلاف بين رأيين، أحدهما يؤكد وجود فروق بيّنة في الكلمات التي تبدو مترادفة، والآخر ينكر هذه الفروق، معتبراً ما يترادف، يعطى المعنى ذاته.

 

في مقابل آراء يمكن اعتبارها أقرب إلى رافضي الترادف، وهي التي تقول إن الأسماء واحدة، وما يزيد فيها هي صفاتها، كالسيف الذي هو اسمٌ، والحسام الذي هو من صفة الحسم لأنه يحسم وينهي أمراً، ومنه القاطع، بسبب القطع.

 

وجاء بالنقل، في كتاب "الأضداد" لابن الأنباري، محمد بن القاسم، أن "كل حرفين أوقعتهما العرب على معنى واحد، في كل واحد منهما معنى ليس في صاحبه، ربما عرفناه، وربما غمض علينا".

 

ويعني الترادفُ، لغةً، ما يلحق ويتبع الشيء، وهو الرّدفُ. وتعني في الاستعمال المولّد لها، المتابعة، إذ يقال: وأردف، بمعنى أضافَ وأكمل على ما سبق، أو زاد فيه شيئاً. على غير المعنى النقدي الذي يعني عدة ألفاظ تحمل معنى واحداً.

 

ومن القائلين بالفروق بين معاني المفردات، لا الترادف، محمد بن زياد الأعرابي، المتوفى سنة 231 للهجرة، وأبو هلال العسكري، الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد، وأبو بكر الأنباري، محمد بن القاسم، المتوفى سنة 237 ه، وأحمد بن يحيى ثعلب، المتوفى سنة 291ه، وابن فارس الحسين بن أحمد، المتوفى سنة 395ه. وأسماء أخرى عديدة، كالمبرّد، محمد بن يزيد، والمتوفى سنة 285 للهجرة.

 

في المقابل، فإن أنصار الترادف كثر، كالفيروز آبادي، صاحب القاموس، والناقد الكبير قدامة بن جعفر، المتوفى سنة 337ه، والهمذاني، عبد الرحمن بن عيسى، المتوفى سنة 320ه. وأسماء أخرى عديدة، كالفخر الرازي، محمد بن عمر الحسين التيمي البكري.

والتراث العربي غنيّ بمؤلفات كتبت عن المترادفات والفروق، ذلك أنها قضية تتصل مباشرة بعلم البيان والبديع والخطاب والتعبير والتواصل.

 

ويقول ابن مالك في كتابه "الألفاظ المختلفة في المعاني المؤتلفة"، إن الأدب "يشتمل على كثير من العلوم، فأقربها وأدناها، وأولاها بالتقدّم فيه، الاتّساع في علم المنطق، بأفصح لسان وأبلغ بيان. فمن الاتّساع في ذلك، أن يتصرّف الأديبُ في ألفاظه ومكاتبته ومراسلته ومناجاته، من غير تكرار للأسماء والصفات، إذا كان المعنى واحداً".

 

اختلاف الكلمات يوجب اختلاف المعاني وينفي الترادف التام

وبعض الدارسين تعامل مع "الترادف" كظاهرة لها أسباب محددة، من خلال القول إن كثرة الكلمات العربية المتداولة أو المعجمية، لشيء واحد بعينه، سببها وضع كل قبيلة عربية ما يخصّها هي من أسماء، ثم تأتي قبيلة أخرى بأسمائها الخاصة، وهكذا دواليك.

 

ومن الأسباب الأخرى للترادف، كما يراها دارسون، هو أن مؤلفي المعاجم العربية وقواميسها، نقلوا عن قبائل عربية كثيرة، فتكررت الأسماء، باختلاف اللهجات، مع أن معانيها واحدة. بالإضافة إلى أسباب أخرى تتصل باللغة ذاتها واستعمالاتها وعلاقتها بالواقع، واللهجات العربية ودورها بما يراه البعض ترادفاً.

 

ويبدو ابن فارس في "معجم مقاييس اللغة" صاحب المحاولة الأوسع لإعادة تشكيل الكلمة العربية، من خلال تركيبها الحروفي الأصلي، لينطلق من ذلك إلى الكشف عن علاقات معنوية تربط بين تلك الكلمات، حتى وإن كانت غير مترادفة، في الأصل. الأمر الذي منح أنصار الفروق، هامشاً أكبر في الدفاع عن مذهبهم، لأن قدرة حروف الكلمة على صناعة معنى متقارب، حتى وقد أصبحت كلمات مختلفة، سينقض الكلمات التي عدّها البعض ترادفاً تاماً، لتصبح حاملةً لمادتها الحروفية الأولى، منطلقة منها، وبالتالي تنفي الترادف التام، مؤكدة المعنى المختلف، ولو جزئياً.

 

ومن عدة كتب تم تأليفها دفاعاً عن الفروق بين المترادفات، في التراث العربي، يأتي كتاب "الفروق اللغوية" لأبي هلال العسكري، سعياً منه لإثبات الفوارق بين المترادفات، لينفي تشابهها ووحدتها، مؤكداً على اشتمالها على اختلافات في المعنى.

 

ويقول العسكري في مقدمة كتابه: "ما رأيتُ نوعاً من العلوم، وفناً من الآداب، إلا وقد صنِّف فيه كتب تجمع أطرافه، وتنظّم أصنافه، إلا الكلام في الفَرق بين معانٍ تقاربت حتى أشكل الفرق بينها". ويعطي أمثلة لمثل تلك الكلمات فيقول: "الغضب والسخط، الفطنة والذكاء، الخطأ والغلط، الكمال والتمام، الحسن والجمال، العام والسَّنة".

 

ويؤكد العسكري أن "اختلاف العبارات والأسماء يوجب اختلاف المعاني". ثم يحسم قاطعاً بوجه كل دعاة الترادف: "وإذا أشير إلى الشيء مرة واحدة، فعُرِف، فالإشارة إليه ثانية وثالثة، غير مفيدة. وواضع اللغة حكيم لا يأتي فيها بما لا يفيد، فإن أشير منه في الثاني، والثالث إلى خلاف ما أشير إليه في الأول، كان ذلك صواباً. فهذا يدلّ على أن كل اسمين يجريان على معنى من المعاني، في لغة واحدة، فإن كل واحد منهما يقتضي خلاف ما يقتضيه الآخر، وإلا كان الثاني فضلاً لا يُحتاج إليه".

 

ويذكر أن إشارة العسكري الأخيرة، بلا لزومية الكلمة إذا كانت تشير إلى ذات معنى كلمة أخرى، هي الحاسمة بمسألة إنكار الترادف. إذ ما الغاية من أن يكون للسيف أو الأسد أو العسل، مثلاً، عشرات الأسماء، إذا كان كل اسم منها يؤدي ذات الدلالة الحرْفية التي يؤديها الاسم الآخر؟

ولهذا قال العسكري، إنها لو كانت في المعنى ذاته، ومترادفة، فهي "فضل لا يحتاج إليه" بحسب تعبيره. أي لا لزوم لها، من الأصل، لأنها ستكون زيادة، لو لم تؤد غرضاً مميزاً.

 

ويعطي العسكري مثلاً قرآنياً، ليبين فيه الفرق ما بين كلمتين يمكن أن يعدّهما البعض مترادفتين، مشيراً إلى أن أبي العباس المبرّد، صاحب "الكامل في اللغة" هو صاحب هذه الإشارة، بقوله: "وإليه أشار المبرّد في تفسير قوله تعالى (لكل جعلنا منكم شرعةً ومنهاجا) قال فعطف منهاجاً على شرعة، لأن الشرعة لأول الشيء، والمنهاج لمعظمه ومتّسعه).

 

وبعد براعة المبرّد، يوغل العسكري في تفريق الشرعة عن المنهاج، فيقول: "شَرَع فلانٌ في كذا، إذا ابتدأه، وأنهجَ البلى في الثوب إذا اتّسع فيه".

قد تقرأ أيضا

قم بالبحث عن ما تريد